صديق الحسيني القنوجي البخاري
114
فتح البيان في مقاصد القرآن
أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ أي : أشده ، قيل : في الدنيا كالقتل والأسر ووجه تخصيصه بعذاب الدنيا قوله بعده : وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ أي : هم أشد الناس خسرانا ، وأعظمهم خيبة ، فالمفضل عليه هو أنفسهم من حيث اعتبار اختلاف الزمان والمكان ثم مهد سبحانه مقدمة نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة ، فقال مخاطبا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ أي : يلقى عليك بشدة فتلقاه ، وتأخذه من لدن كثير الحكمة والعلم ، ووجه الجمع بينهما - مع أن العلم داخل في الحكمة - أن العلم الذي يدخل فيها هو العلم العملي ، وهو الذي يتعلق بكيفية عمل ، والعلم أعم منه ، فكأنه قيل : مصيب في أفعاله ، لا يفعل شيئا إلا على وفق علمه ، عليم بكل شيء ، سواء كان ذلك العلم مؤديا إلى العمل أم لا . قيل : إن لَدُنْ ههنا بمعنى عند ، وفيها لغات كما تقدم في سورة الكهف ، وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته ، ودقائق علمه ؛ وقد اشتملت هذه السورة على قصص خمس : الأولى هذه ، وتليها قصة النملة ، وتليها قصة بلقيس ، وتليها قصة صالح ، وتليها قصة لوط . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 7 إلى 11 ] إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 8 ) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 ) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ قال الزجاج : أي اذكر قصته إذ قال لأهله ، والمراد بأهله امرأته في مسيره من مدين إلى مصر ، وكان في ليلة مظلمة باردة مثلجة وقد ضل الطريق ، وأخذ زوجه الطلق ، والحامل له على هذا السفر أن يجتمع بأمه وأخيه بمصر ، ولم يكن معه إذ ذاك إلا زوجته بنت شعيب ، فكنى عنها بلفظ الأهل الدال على الكثرة للتعظيم ، وقيل : كان معه ولده وخادمه أيضا ومثله قوله : امكثوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً أي أبصرتها من بعيد . سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ عن حال الطريق ، وكان قد ضلها ، والسين تدل على بعد مسافة النار وتأكيد الوعد . والجمع - إن صح أنه لم يكن معه عليه السلام إلا امرأته لما كنى عنها بالأهل ، أو للتعظيم - مبالغة في التسلية . أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ بتنوينهما على أن الثاني بدل من الأول أو صفة له لأنه بمعنى مقبوس ، أي بشعلة نار مقبوسة ، أي مأخوذة من أصلها ، وقرىء بالإضافة على